في سياق دورها الأكاديمي في تحليل القضايا الاستراتيجية الكبرى ومناقشة التحديات التي تمس أمن الدولة ومستقبلها، فتحت كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد ملف استراتيجية الأمن الوطني العراقي «العراق أولاً 2025–2026»، عبر ندوة علمية متخصصة أقامتها اليوم الاثنين الموافق 2 تشرين الثاني 2026، واستضافت خلالها الدكتور علي عبد العزيز مرزه الياسري، مدير المركز الوطني للتخطيط المشترك في مستشارية الأمن الوطني العراقي، في حوار أكاديمي تناول مرتكزات الاستراتيجية وأولوياتها وأبعادها الوطنية، وما تفرضه التحولات الإقليمية والدولية من متطلبات على منظومة الأمن الوطني.
واستقبل عميد الكلية الأستاذ الدكتور عادل البديوي، بحضور المعاونين العلمي والإداري، ضيف الندوة، مؤكداً أهمية الانفتاح المؤسسي على الجهات الوطنية المعنية بالتخطيط الاستراتيجي، وتعزيز جسور التعاون وتبادل الخبرات بين الجامعات ومؤسسات الدولة، بما يتيح توظيف الإمكانات العلمية والبحثية في معالجة القضايا ذات الأولوية الوطنية.
وأدار جلسة الندوة المعاون العلمي الأستاذ الدكتور أحمد الميالي، الذي تولى تنظيم محاور النقاش وإدارة الحوار العلمي بين الضيف والحاضرين، بما أتاح الانتقال من عرض المضامين الاستراتيجية إلى مناقشة أبعادها التطبيقية وصلتها بالواقع السياسي والأمني العراقي.
وتناولت الندوة الرؤية التي تقوم عليها استراتيجية «العراق أولاً 2025–2026»، وأبرز مرتكزاتها في التعامل مع البيئة الوطنية بمختلف أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على أهمية بناء منظومة تخطيط استراتيجي قادرة على رصد المتغيرات، وتحليل الاتجاهات، وتقدير المخاطر، واستشراف التحديات قبل تحولها إلى أزمات، وصولاً إلى صياغة بدائل ومعالجات تستند إلى قراءة علمية متكاملة للواقع.
كما اتسع النقاش ليشمل العلاقة بين الأمن الوطني والعلوم السياسية، ودور المؤسسات الأكاديمية في إنتاج المعرفة التي تحتاج إليها الدولة في رسم توجهاتها الاستراتيجية. وأبرزت الندوة أهمية الدراسات السياسية والتحليلات العلمية في فهم التحولات الداخلية والخارجية، وقراءة المؤشرات المبكرة، وتحليل الظواهر المجتمعية، بما يعزز قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات تستند إلى المعرفة والتقدير الموضوعي، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة اللاحقة للأحداث.
وشهدت الجلسة حضوراً أكاديمياً وطلابياً واسعاً، من مختلف الأقسام العلمية، وسط تفاعل لافت عكسته المداخلات والاستفسارات التي تجاوزت الجانب النظري للاستراتيجية إلى البحث في إمكانات تطبيقها، ومتطلبات نجاح التخطيط الوطني، وحدود التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية.
وتناولت المداخلات أهمية تحويل نتائج البحوث والدراسات في العلوم السياسية إلى مدخلات معرفية تسهم في تطوير السياسات العامة، وضرورة تعزيز الشراكة بين الجامعات ومراكز التخطيط، فضلاً عن دور فهم اتجاهات الرأي العام ومطالب المواطنين والتحولات المجتمعية في بناء رؤية وطنية أكثر شمولاً وقدرة على التعامل مع التحديات. كما شارك عميد الكلية في النقاش، مقدماً جملة من الرؤى والتساؤلات التي أثرت الحوار بشأن دور الاختصاص الأكاديمي في إسناد متطلبات التخطيط الاستراتيجي.
وتكتسب هذه الندوة أهميتها من طبيعة الموضوع الذي تناولته، إذ لم تقتصر على استعراض استراتيجية وطنية، بل فتحت مساحة للحوار بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المؤسسية في واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الدولة العراقية. كما أكدت أن الأمن الوطني لم يعد مفهوماً محصوراً في البعد الأمني والعسكري، بل أصبح منظومة متداخلة تتطلب فهماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً شاملاً، وتكاملاً في الأدوار بين مؤسسات الدولة ومراكز البحث والجامعات.
ومن هذا المنطلق، تواصل كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد ترسيخ حضورها العلمي في مناقشة الملفات الوطنية والاستراتيجية، وتوسيع فضاءات الحوار مع الخبرات والمؤسسات المتخصصة، بما يعزز دور الجامعة في إنتاج المعرفة وتقديم الرؤى والتحليلات التي تسهم في فهم التحديات الوطنية واستشراف مسارات المستقبل.
وتندرج الندوة ضمن توجهات أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف الرابع (التعليم الجيد)، من خلال تعزيز البحث العلمي وتبادل المعرفة والخبرات، والهدف السادس عشر (السلام والعدل والمؤسسات القوية)، عبر دعم فاعلية المؤسسات وترسيخ التخطيط الاستراتيجي القائم على المعرفة وتعزيز مقومات الأمن والاستقرار.









