اطروحة في كلية العلوم السياسية تناقش التنافس الجزائري المغربي والاستقرار في شمال أفريقيا

ناقشت كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد اطروحة الدكتوراه ( التنافس الجزائري المغربي والاستقرار في شمال أفريقيا ) للطالب (ثائر موفق زويان ) وناقشت الرسالة تميز العلاقات المغربية الجزائرية عبر التاريخ بالتجاذب، خاصة بعد استقلال البلدين واندلاع حرب الرمال على اثر النزاع الحدودي بين الطرفين في عام 1963 وانتهت هذه الحرب بإعلان لوقف اطلاق النار في نوفمبر من نفس العام بعد العديد من مبادرات التسوية من اطراف غربية وافريقية، ونستطيع ان نستنتج عدم تحمل أي من الطرفين مسؤولية هذا التنافس فالطرفين يدعي تجاوز الاخر على حدوده، كذلك بروز قضية الصحراء في منتصف السبعينات كمشكلة سياسية مفتعلةتعرقل تقدم وتطور العلاقات بين البلدين لدرجة أصبحت فيها هذه العلاقات تعرف تنافس شديد على مستوى جميع المجالات، السياسية والاقتصادية لتشمل المجال الروحي في السنوات الأخيرة.

وقد تشابكت قضية الصحراء الغربية مع مشكلة الحدود المغربية الجزائرية في منطقة (تندوف) واصبحت عائدية هذه المنطقة الى الجزائر وعائدية الصحراء الغربية الى المغرب تشكل الاساس التاريخي للازمة بين البلدين خاصة وان المنطقة مهيأة للابتزاز السياسي وتوازن القوى الاقليمية والدولية الذي اخذت اثاره تطفو على السطح في بداية الستينات من القرن الماضي، وعكست هذه المشكلة تقاطع استراتيجية البلدين بعد ان حاول المغرب تحييد موقف الجزائر كطرف في التنافس، اذ وقعت معها اتفاق اثناء انعقاد قمة منظمة الوحدة الافريقية، ومن جانب اخر فأن الجزائر اخذت تشكك في صدقية النوايا المغربية وتعمل على قيام كيان صحراوي يفصل المغرب عن موريتانيا.

ستتوزع هيكلية الدراسة على خمسة فصول رئيسة فضلاً عن المقدمة والخاتمة، حيث تناولنى في الفصل الاول (كمدخل تعريفي) مراحل تطور التنافسالجزائري المغربي، وتناولنا في المبحث الاول التنافس ومشكلة الحدود بين البلدين، ان متابعة العلاقات المغربية الجزائية في بعدها التنافسي والصراعي, تستدعي التطرق الى التطورات والعوامل التي تتحكم في ذلك وتوجيه هذه العلاقات نحو هذا المسار, فان القرب الجغرافي الكبير بين البلدين, والذي كان ولا يزال له انعكاس مهم على المسار التاريخي للعلاقات بين المغرب والجزائر, قد طرح مشكلة الحدود الجغرافية في اطار هذا المنحى التي أصبحت من المحددات التي تتحكم في هذه العلاقات.

وفي المبحث الثاني تناولنا مشكلة الصحراء الغربية وتبدو اهمية المشكلة من خلال كونها بؤرة للتنافس الاقليمي وعدم الاستقرار في منطقة المغرب العربي ومحاولات القوى الدولية الرامية الى تجزئة وتفتيت وحدة التراب الوطني لبلدان المغرب العربي عامة والمملكة المغربية بشكل خاص عن طريق السيطرة الاستعمارية الفرنسية او الاسبانية المباشرة تارة او عن طريق المعاهدات والمواثيق التي فرضتها الدول الاستعمارية على المنطقة تارة آخرى. وفي المبحث الثالث تحدثنا عن مشكلات وازمات الحدود بعد عام 1990.اذ تعود قضية غلق الحدود البرية الجزائرية المغربية إلى عام 1994 عندما قامت مجوعة إرهابيةبمهاجمة فندق في 21أغسطس1994 بمراكش وتم إطلاق النار فيه، فقامت السلطات المغربية بإصدار قرار كان باتهام السلطات الأمنية الجزائرية وبالضبط فيجهاز المخابرات دون تقديم أي دليل،بعد ذلك أصدرت السلطات المغربية قراراً يقضي بفرض التأشيرة على الجزائريين الداخلين إلىالأراضي المغربية، كان هذه القرار أحادي الجانب.

اما الفصل الثاني فتضمن مظاهر التنافس بين المغرب والجزائر في ظل التنافس الإقليمي وتم تقسيمة الى مبحثين الاول تناول مظاهر التنافس السياسي اذ يمكن تفسير استمرار الصراع والنزاعات في منطقة المغرب العربي بين الدولالإقليمية الكبرى، وبالأخص الجزائر والمغرب من خلال حدة التنافس بين البلدين، لتبوء مكانة الصدارة والزعامة داخل النظام الإقليمي، وذلك عبر التسابق نحو بناء مقومات القوة العسكرية والسياسية والاقتصاديوالنفوذ.اما المبحث الثاني فتناولنا مظاهر التنافس العسكري،ويمتد سباق الزعامة هذا إلى ساحات أخرى غير السياسية، فسباق التسلح المحموم بين البلدين يثير الفزع، حيث يصرف كل منهما مليارات الدولارات سنويًّا في شراء الأسلحة، كما أن رحى حرب الزعامة تدور حتى في المعترك الديني، إذ يحاول كل منهما تصدير نموذجه الديني في الخارج، سواء بالبلدان الأفريقية أو البلدان الأوربية.

وتناول الفصل الثالث المتغيرات المؤثرة في التنافس الجزائري المغربي، وتناول المبحث الاول المتغيرات الداخلية، إن تفاعلات العلاقات بين المغرب والجزائر، رهينة بشكل أساسي بالنظام السياسي والظروف والأوضاع السياسية الداخلية لكل بلد، ثم دور الفاعلين المؤسساتيين في صنع السياسة الداخلية والخارجية، التي تتحدد من خلال التوازنات القائمة بين هؤلاء الفاعلين، بالإضافة إلى دور ضغط الرأي العام في توجيه السياسة الخارجية والتأثير في طبيعة العلاقات بين البلدين.وتناول المبحث الثاني المتغيرات الاقليميةوالمبحث الثالث المتغيرات الدولية، وهي التي نشأت نتيجة التفاعل مع وحدات دولية أخرى من قبيل الاستقطاب، والتحالفات الاستراتيجية، وتأثير دول الجوار والمحيط، وينصرف الاستقطاب إلى تأثير الوحدات الثالثة على السياسات الخارجية لوحدتين دوليتين إزاء بعضهما البعض.

فالعلاقات المغربية الجزائرية ظلت شديدة الارتباط بتدخل قطبي النظام الدولي خلال الحرب الباردة، ناهيك عن الدور الفرنسي الإسباني، إضافة إلى دول المغرب العربي وسياسة المحاور التي ميزت ارتباطات وحداته طوال العقود الماضية.

وتضمن الفصل الرابع اثر التنافس الجزائري – المغربي على الاستقرار في شمال افريقيا، وتضمن ثلاث مباحث،المبحث الاول تضمن الاثرالامني والمبحث الثاني تناول الأثر الاقتصاديوالمبحث الثالث تناول الأثر السياسي ،اذ تسبب التنافسوالخلاف السياسي بين الجزائر والمغرب، في فشل كافة محاولات الصلح بين البلدين وتطبيع العلاقات بينهما، وهو ما جعل المغرب يدعو في الآونة الأخيرة الجزائر إلى التفاوض مباشرة لحل هذا التنافس القائم، لكن الأخيرة ترفض وتقول إنها ليست طرفًا في ذلك التنافس، وإنما تساند الشرعية الدولية حسب قولها.

تسبب التنافس المغربي الجزائري في آثار كارثية على شعبيهما وعلى المنطقة بكاملها، تشمل الخسائر التي يتكبدها البلدان المتجاوران مستويات عديدة، بدءًا من المستوى الاقتصادي، حيث تعتبر الجزائر والمغرب من أكثر الدول المستوردة للأسلحة في منطقة شمال أفريقيا، يقتطع كل منهما جزءًا مهمًا من ميزانية الدولة من أجل إنفاقها في الأغراض العسكرية، تحسبًا لأي حرب قادمة بينهما، تقدر صفقات الأسلحة التي يعقدانها مع الشركات المصنعة للسلاح بمليارات الدولارات سنويًّا.

أما الفصل الخامس فتضمن مستقبل التنافس الجزائري – المغربي في شمال إفريقيا وتضمن المبحث الأول تراجع التنافس، والمبحث الثاني تصاعد التنافس اما المبحث الثالث فتضمن التوازن في التنافس، ليس استشراف مستقبل العلاقات الجزائرية المغربية هينا نظرا لتعقيداتها الراهنة، فهي تتسم بالتغير بشكل مستمر، سنحاول في هذا الفصل استشراف المنحى التعاوني والصراعي وكذلك التوازن لتحديد احتمالات التعاون او الصراع ونشوب حرب في المنطقة او التوازن من خلال التفضيلات الترجيحية لهذا المشهد او ذاك في المستقبل المتوسط الذي يتراوح بين خمسة وعشرين عاما، تقوم منهجية هذا الفصل على المشاهد (السيناريوهات )، مشهد السلام والتكامل، مشهد الصراع والمواجهة في دوائر الازمات، بؤر التوتر الراهنة او التقليدية والذي قد يتصاعد الى مستوى الحرب المحتملة، او مشهد التوازن اي مشهد سلام في اطار سياق صراعي منخفض الحد، ودرجة دنيا من التعاون، يندرج الاول والثالث ضمن دائرة السلام والتعاون بغض النظر عن الطبيعة والدرجة، بينما يندرج الثاني ضمن دائرة الصراع والاحتراب.

فالعلاقات الجزائرية المغربية شهدت سلسلة من الأحداث بدءاً بحرب الرمال في سنة 1963والتيشكلت محور الأزمة بين الطرفين، وأثرت سلباً على سير العلاقات بينهما، بالإضافة إلى قضية الحدودوقضية الصحراء الغربية، الذي يعتبر موقف الجزائر حولها متعلق بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها،أما الموقف المغربي فهو لطالما اعتبر أن الصحراء الغربية هي امتداد لإقليمه في الحدود الجنوبية، وهذامن خلال مبدأ الحق التاريخي، وشكلت هاتين النقطتين سبباً رئيسياً في زيادة حدة التوتر بينهما.

إن هذه الخلافات بين الجزائر والمغرب وقفت عائقاً أمام تفعيل مسار اتحاد المغرب العربي، هذاراجع إلى سعي كل نظام إلى الترويج لنفسه، وهذا رغبةً منه في السيطرة علي المنطقة، ما أدى إلىدخول الطرفين “الجزائر والمغرب” في سباق نحو التسلح، وقد أثرت إدراكات صانع القرار في البلدينالتي تتحكم فيها عوامل تاريخية وكذا الشعور بالخوف والشك الدائم من بعضها البعض، إلى زيادة حدةالتوتر مما خلق بينهما حالة من المأزق الأمني الآخر، إن السباق نحو التسلح والصراعات الحدودية التي انتهت بغلقها، دليل على وجودأزمة ثقة عميقة بين البلدين، وهذا السباق المتزايد لا يبشر بحل المشكلة، على الأقل على المدى القريبكما أن كافة محولات الصلح والهدنة باءت بالفشل، فكلما عزم النظامين الحاكمان على ذلك ظهرتحادثة استفزازية لتعيدهما إلى نقطة الصفر، مما يفسر وصول وضع التنافس إلى حالة من التعقيد وانعدامالثقة بين البلدين الجارين، بعد العداء التاريخي المحموم الطويل ذاك الآخر.

أن ملفات العقد بين البلدين تعود إلى ما قبل ربع قرن، ومن الصعوبة بمكان معالجة هذه العقد من خلال قمة مغاربية واحدة، وأن ذلك يبقى مرهونا بعدة أمور، منها ضرورة التوافق السياسي بين قادة البلدين، وتبني رؤية مشتركة ولغة واقعية ومنطقية في كيفية حلحلة نزاع الصحراء، الذي يشكل العائق الأكبر ليعصف بكل المبادرات ومحاولات تطبيع العلاقات على المستوى الثنائي و المغاربي. فإذا ما تم القبول بجدلية أن نزاع الصحراء مشكل أممي، فإن المنطق يؤكد أن المشكل هو أساسا بين المغرب والجزائر، التي لا تدخر جهدا لتقديم كل الدعم لجبهة البوليساريو، وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة ملائمة بين الطرفين لحل هذا التنافس المصطنع، قبل إحالة نتائجه على هيئة الأمم المتحدة، كما يجب أن يتبع هذا توافق على الصعيد الاقتصادي وفتح الحدود البرية، وهذه الملفات في حد ذاتها متشعبة يتداخل فيها ما هو أمني وإستراتيجي، وحتى إذا تمت الحلحلة على كافة الأصعدة، فإن شيئا يحول بين تكامل هذه الحلحلة وهو معنوي، يكمن في إرادة كل من المغرب والجزائر في زعامة المغرب العربي، وقيادة توجهاته السياسية والاقتصادية.

فبعدما كان الصراع والتنافس بين البلدين ينحصر في المجال السياسي والعسكري، أصبح اليوم يتعدى ذلك ليشمل المجال المذهبي والديني، وقد بدا ذلك واضحا من خلال سعي الجزائر إلى منافسة المغرب في مجال تأطير الحقل الديني للجاليات المسلمة بأوروبا، وهذه المحاولة قد برزت قبل ذلك من خلال التنافس حول الطريقة التجانية. وهذا يعكس السعي الحثيث من قبل الجزائر في منافسة المغرب سياسيا على تأطير الحقل الديني في شمال إفريقيا.

وفي انتظار عودة الدفء إلى العلاقات الدبلوماسية المغربية الجزائرية، وفتح الحدود البرية والدفع بالقطار المغاربي نحو الاتجاه الصحيح، من أجل التطبيع الكامل للعلاقات الثنائية والمغاربية، وهذه الطموحات لن يكتب لها النجاح إلا من خلال مداخل وخيارات عدة، يفرضها السياق السياسي الإقليمي الذي لا زال مضطربا، زادت من تفاقمه الأحداث والمنزلقات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، يعكسها الواقع الجديد الذي بدأ يتشكل في شمال مالي بعد انهيار الدولة الوطنية، وسيطرة الجماعات الأصولية المسلحة على نصف البلاد وإعلانها عن تشكيل الإمارة الإسلامية، واستقطاب الجهاديين من مختلف بقاع العالم وتبنيها للأعمال العنف والتخريب، وممارستها لكل الأنشطة الغير مشروعة ضد كل دول المنطقة، وهذا الوضع ستكون له تداعيات خطيرة على أمن واستقرار الدول المجاورة أولا ودول العالم ثانيا، مما يستدعي التنسيق والتعاون الأمني والعسكري بين المغرب والجزائر، لوضع إستراتيجية أمنية استباقية ضد كل الاحتمالات والسيناريوهات.

وأمام الحركية الجديدة للدبلوماسية المغربية التي أطلقها وزير الخارجية المغربي في ظل الدستور الجديد، الذي يمنحه صلاحيات التشارك في تدبير الحقل الدبلوماسي، بالإضافة إلى التراتبية الجديدة في المحاور الإقليمية، التي تعطي الأولوية للمغرب العربي الفضاء الأول لانتماءات المغرب الإقليمية والتاريخية والثقافية، ثم ضرورة تطبيع العلاقات مع دول الجوار ومع الجزائر بوجه الخصوص، ومن ثم فعلى الجزائر استغلال هذه المرونة المغربية وتجاوز النظرة الضيقة لموقفها تجاه التطبيع الكامل للعلاقات، باعتبار أن ما يكسبه المغرب من منافع هو بالمقابل خسارة لها، وعلى المغرب كذلك تجاوز فكرة أن الجزائر هي الطرف الوحيد والمسئول عن كل ما آلت إليه العلاقات بين البلدين الشقيقين، وتبنيه لسياسة خارجية متوازنة وواقعية تراعي المصالح المشتركة بين البلدين.

 

حتى إذا لم يكن هناك أمل في السلم بين الدواتين المتجاورتين على المدى القريب، فنشوب حربعسكرية بينهما أمر مستبعد -رغم حالة التوتر بين الطرفين-إذ هذا ليس في صالح أي منهما،خصوصاً مع الأوضاع المتأججة ولمحتقنهالتي تعيشها المنطقة العربية، وعلى أي حال فلدى كل منالمغرب والجزائر مشاكل داخلية عويصة، تغني كل منهما عن الدخول في معركة صفرية.

ويمكن حل هذا التنافس الذي طال أمده، إذا ما كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لدى كل من النظامالحاكم في الجزائر والمغرب، والانخراط معاً في حوار تشاركي جدي، محاولان من خلاله القيام بالمراجعةالجذرية لأسباب الصراع الحقيقية، والتوصل إلى تسوية متوافق عليها، ولاسيما إذا تم ذلك بمساعدة أطرافإقليمية ودولية لوضع حد لهذا المأزق الأمني، وإيجاد حل مقنع لقضية التنافس بين البلدين.

وفي هذا الصدد يمكن استحضار قوة ودور الثنائي الفرنسي- الألماني، في عملية البناء والاندماج والتوسع الأوروبي، بعد أن عاش هذان البلدان ويلات الحروب والعداء، حتى يتبين أن تجنب الرجوع إلى العداء والتوتر في العلاقات بين الدول، لا يتم فقط بسبب حسن الجوار، وإنما بفعل الإرادة النية الحسنة المتجردة من الذات والبانية للمؤسسات والأفراد.وقد منحت درجة الدكتوراه للطالب بتقدير (جيد جدا” عالي) متمنين لجميع طلبتنا الموفقية والنجاح في حياتهم العلمية والعملية وذلك يوم الاثنين الموافق 1/7/2019 على قاعة الحرية .